العيني

158

عمدة القاري

أخذ على النساء ) ، فهذه أدلة صريحة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية ، بل بعد فتح مكة ، وذلك بعد إسلام أبي هريرة ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة ، عن أبيه ، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئاً ) . فذكر مثل حديث عبادة ، ورجاله ثقات . وقد قال إسحاق بن راهويه : إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر انتهى . وإذا كان عبد الله بن عمر واحد من حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ، ولا ممن حضر بيعتهم بمنى ، صح تغاير البيعتين : بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة ، وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمر وكان إسلامه بعد الهجرة ، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معاً ، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به ، فكان يذكرها إذا حدث تنويهاً بسابقته ، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك ، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك . انتهى كلامه . قلت : فيه نظر من وجوه . الأول : أن قوله : ويبطله ، أن أبا هريرة صرح بسماعه غير مسلم من وجهين : أحدهما ، أنه يحتمل أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه ، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعدما سمعه من صحابي آخر ، فلذلك صرح بالسماع ، وهذا غير ممنوع ولا محال ؛ والآخر : أنه يحتمل أنه صرح بالسماع لتوثقه بالسماع من صحابي آخر ، فإن الصحابة كلهم عدول لا يتوهم فيهم الكذب . الثاني : أن قوله : وإن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك ، لا يلزم من عدم نزول الحدود في تلك الحالة انتفاء كون الحدود كفارات في المستقبل ، غاية ما في الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في حديث عبادة أن من أصاب مما يجب فيه الحدود التي تنزل عليها بعد هذا ، ثم عوقب بسبب ذلك بأن أخذ منه الحد ، فإن ذلك الحد يكون كفارة له ، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم قبل نزول الحدود أن حال أمته لا تستقيم إلاَّ بالحدود ، فأخبر في حديث عبادة بناء على ما كان على ما كان علمه قبل الوقوع . الثالث : أن قوله : والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح ، غير مسلم ، لأن الحديث أخرجه الحاكم في ( مستدركه ) والبزار في ( مسنده ) من رواية معمر عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، وقد علم مساهلة الحاكم في باب التصحيح ، على أن الدارقطني قال : إن عبد الرزاق تفرد بوصله ، وإن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله ، فإذا كان الأمر كذلك فمتى يساوي حديث أبي هريرة حديث عبادة بن الصامت حتى يقع بينهما تعارض فيحتاج إلى الجمع والتوفيق ؟ فإن قلت : قد وصله آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب أخرجه الحاكم أيضاً . قلت : ولو وصله ، هو أو غيره ، فإن قطع غيره مما يورث عدم التساوي بحديث عبادة ، وصحة حديث عبادة متفق عليها بخلاف حديث أبي هريرة على ما نص عليه القاضي عياض وغيره ، فلا تساوي ، فلا تعارض ، فلا احتياج إلى التكلف بالجمع والتوفيق . الرابع : أن قوله : والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة ، غير مسلم ، لأن القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلاء قد جزموا بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى . ونقيم بصحة ما قالوا دلائل . منها : أنه ذكر في هذا الحديث : ( وحوله عصابة ) . وفسروا أن العصابة هم النقباء الاثني عشر ، ولم يكن غيرهم هناك ، والدليل على صحة هذا ما في رواية النسائي في حديث عبادة هذا : ( قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهط ) ، الحديث : وقد قال أهل اللغة : إن الرهط : ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة . قال الله تعالى : * ( وكان في المدينة تسعة رهط ) * ( النمل : 48 ) قال ابن دريد ربما جاوز ذلك قليلاً ، قاله في ( العباب ) والقليل ضد الكثير ، وأقل الكثير ثلاثة ، وأكثر القليل اثنان ، فإذا أضفنا الاثنين إلى التسعة يكون أحد عشر ، وكان المراد من الرهط هنا أحد عشر نقيباً ، ومع عبادة يكونون اثني عشر نقيباً ، فإذا ثبت هذا فقد دل قطعاً أن هذه المبايعة كانت بمكة ليلة العقبة البيعة الأولى ، لأن البيعة التي وقعت بعد فتح مكة على زعم هذا القائل كان فيها الرجال والنساء وكانوا بعد كثير . والثاني : أن قوله ليلة العقبة دليل على أن هذه البيعة كانت هي الأولى ، لأنه لم يذكر في بقية الأحاديث ليلة العقبة ، وإنما ذكر في حديث الطبراني يوم فتح مكة ، ولا يلزم